قصة تخلّت عنّي أمّي في المطار وأنا في الثامنة

قصة تخلّت عنّي أمّي في المطار وأنا في الثامنة

كبرتُ وأنا أحمل داخلي جرحًا لا يلتئم؛ جرح اللحظة التي أدارت فيها أمي ظهرها وتركتني في مطار مكتظ لا يعرفني فيه أحد. لكن أبي — ذلك الغريب القريب — كان مختلفًا تمامًا. عندما وصلت طائرته الخاصة، رأيت رجلاً بملامح مُجهدة، بعينين تلمعان بصدمة وذنب متراكم. لم يقل كلمة واحدة في البداية، فقط احتضنني كأنني قطعة منه ضاعت ثم وُجدت.

في طريق العودة، ظلّ ينظر إليّ بين الحين والآخر، وكأنه يتأكد أنني حقيقية. شرح لي أنه حاول الوصول إليّ سنوات طويلة، وأن أمي كانت تمنعه دائمًا بحجج لا تنتهي. لم أكن أفهم كل شيء في ذلك الوقت، لكنني شعرت بشيء يشبه الأمان يتكوّن ببطء داخلي. وعندما وصلنا إلى بيته، قدّم لي غرفة تشبه الغرف التي في القصص، مليئة بالكتب والألعاب والبطانيات الناعمة.

مرت الأيام الأولى ثقيلة، مليئة بالكوابيس والارتباك، لكن أبي كان يحضر معي كل جلسات العلاج التي رتّبها الأخصائيون. كنت أراقبه وهو يحاول إصلاح كل ما تهدّم داخلي، رغم أنه لم يكن السبب. شيئًا فشيئًا، بدأت أشعر بأن لديّ عائلة جديدة، مختلفة… ثابتة… لا تهرب من أول فرصة. لكن الماضي لا يختفي بسهولة، وذكريات abandone ظلّت تلاحقني.

كبرت، وبدأت أرى الأمور بوضوح. أدركت أن أمي لم تكن أمًا ضائعة فقط، بل كانت امرأة تبحث عن حياة سهلة على حساب الآخرين. ومع ذلك، لم أتوقع أن تعود… لم أتوقع أن تطرق باب أبي بعد سنوات طويلة، وبملامح لا تشبه الندم، بل تشبه شيئًا آخر تمامًا.

عادت أمي بعد سبع سنوات كاملة، بوجه لا يحمل أي شعور بالخجل. كانت ترتدي معطفًا لامعًا، وفي يدها حقيبة ثمينة، وفي عينيها نظرة شخص جاء ليستعيد شيئًا يعتبره ملكًا له. وقف أبي أمام الباب، يده على المقبض، وكتفه مشدود كجدار يحمي بيتًا من عاصفة. قالت بابتسامة باردة: “جيت آخد بنتي… خلصت المرحلة الصعبة من حياتي.”

كنت واقفة خلف والدي، أستمع للكلمات وكأنها طعنات صغيرة. لم تسأل كيف كبرت، لم تسأل ماذا فعل بي غيابها، ولم يرمش لها جفن حين رأت آثار الألم التي تركته. قالت كأنني حقيبة تُسلّم وتُسترد: “ليا دا حقي… وأنا أمّها.” نظر أبي إليها نظرة طويلة، ثم قال بهدوء يشبه البحر قبل العاصفة: “مش بعد اللي عملتيه.”

لكن أمي لم تتراجع. قدمت أوراقًا ومحاولات وتهديدات، وظنت أن المال سيمنحها الحق الذي تخلّت عنه بإرادتها. لم تكن تعلم أن أبي قام بخطوة حاسمة منذ سنوات: جمع كل الأدلة، تسجيلات المكالمات، شهادات العاملين في المطار، وحتى تقارير الأطباء، وحوّل قصّتي إلى ملف قانوني كامل. عندما قدمه للمحكمة، لم يحتج حتى إلى الكثير من الكلام. الوقائع كانت أقوى من أي ادّعاء.

حضرت أمي الجلسة بثقة زائفة، لكن ما إن بدأت الوثائق تُعرض، حتى تغيّرت ملامحها تدريجيًا. كل تسجيل، كل شهادة، كان يعيدها إلى اللحظة التي تركت فيها طفلتها عند بوابة رقم 12. لم يكن لديها ردّ. لم يكن لديها دفاع. فقط صمت ثقيل… وصورة امرأة واجهت الحقيقة التي هربت منها لسنوات طويلة.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8