امرأة كسـ,ـرت زفافي…
كي لا يكسروا حياتي. امرأة فضّلت أن يظن الناس أنها مجنونة…
على أن تتركني أسقط في يد من لا يعرفون سوى الجشع والظلام. جلست أمي بجانبي في غرفة الطوارئ، والضوء الأبيض البارد يعكس على وجهها ملامح الإرهاق والصلابة في الوقت نفسه. كانت ملابسي مبتلة قليلًا من العرق والدموع والركض… وكانت يداي ترتعشان كلما حاولت التفكير في ما حدث. أغمضت عيني للحظة، وبدأت الصور تمرّ أمامي:
توم عند المذبـ,ـح…
ابتسامته المصطنعة التي كنت أظنها دفئًا…
يد أمه وهي تمسك بذراع أمي بقسـ,ـوة…
نظرات الذعر التي رأيتها في عيونهم حين سقطت…
كيف لم أرَ شيئًا من هذا من قبل؟
كيف كنت بهذا الغباء؟
كيف استطعت أن أضع روحي كلها في يد رجل لم يكن يرى فيّ سوى مفتاح خزنة؟ انهمرت دموعي دون أن أشعر، وبدأ صوتي يتكسّـ,ـر وأنا أهمس:
“لو لم تفعلي ما فعلتِ… كنتُ سأكون الآن زوجته… كنت سأذهب معهم للعيادة… كنت سأوقّع… كنت سأ…” قاطعتني أمي بلطفٍ حاسم وهي ترفع يدي وتضمها إلى صدرها:
“لا تقولي لو. نحن نجونا. هذا ما يهمّ. نجونا يا إيميلي.”
كلمة نجونا ارتجفت في صدري.
هل نجا المرء حقًا عندما يُكشف له أن حياته كانت خدعة؟
هل ينجو حقًا حين يدرك أن أقرب الناس إليه كان يخطط لدفـ,ـنه حيًّا داخل جدران مصحة؟
هل ينجو القلب عندما يُطـ,ـعن ممن ادّعى الحبّ؟ ومع ذلك… كنت أعلم أنّها على حق.
النجاة ليست دائمًا جميلة… لكنها نجاة.
والأم التي صنعتها لي هذه الليلة… كانت سببًا في بقائي حيّة. وهكذا، في غرفةٍ بيضاء باردة في المستشفى، بين صوت الأجهزة وصفير الممرات، أدركت حقيقة أكبر من الحب… أكبر من الزواج… أكبر من الثروة نفسها.
أنقذتني أمي من مصيري.
أنقذتني من نهاية كانت ستجعلني مجرد اسمٍ على ورق…
جسدًا ينام في غرفةٍ بلا نافذة…
وصوتًا لا يسمعه أحد. أنقذتني من حياة كان سيقررها آخرون نيابةً عني…
من مستقبلٍ مغلق…
من قفصٍ ذهبي يتحول ببطء إلى زنزانة. كانت أمي تجلس بجانبي، وعيناها لا تفارقان الباب، كأنها تتوقع أن يقتحمه أحد في أي لحظة. حتى عندما جاء الطبيب ليقول إن إصـ,ـابتي طفيفة، كانت تنظر إليه بريبة. كانت كل خلية فيها مستعدة للدفاع عني حتى الرمق الأخير.
نظرتُ إليها وسألت بصوت خافت:
“هل تعتقدين أنهم سيتوقفون؟” هزّت رأسها ببطء، بعينين لا تحملان أي أوهام:
“لا. أشخاص مثلهم لا يتوقفون. لكننا سنسبقهم. نحن الآن نعلم… وهم خسروا عنصر المفاجأة.” ارتجفتُ. لم يكن في كلامها طمأنينة… لكنه كان الحقيقة. لم أكن أعلم بعد…
أن هذه الليلة كانت مجرد البداية.
وأن العاصفة التي ضـ,ـربت حياتي لم تكن سوى مقدمة لما هو أدهى. وأن معركتي مع تلك العائلة الجشعة… لم تبدأ بعد. وأن ما سيحدث لاحقًا… سيقلب العالم رأسًا على عقب.
سيكسر أشياء داخلي… وسيبني أخرى.
سيكشف أسرارًا كانت مدفـ,ـونة لسنوات…
وسيجبرني على مواجهة نفسي…
ومواجهة الحقيقة التي تهرّبْت منها طويلًا.
وأن الخطوة التالية…
ستكون هي التي تحدد من سينجو… ومن سينـ,ـهار. ذلك الليل لم يكن نهاية قصتي…
كان ولادتها الحقيقية. وما ينتظرني بعدها…
كان أعظم بكثير مما كنت قد تخيلته يومًا.