صعدت الممر بالحقيبة ذاتها القديمة والزي ذاته الأزرق الداكن وبالابتسامة المهذبة نفسها البعيدة قليلا.
صباح الخير سيد.
صباح الخير آنا تفضلي بالدخول.
دخلت ونظرت حولها متعرفة إلى المكان.
تنفس مارسيلو بعمق. كان قد تدرب على ما سيقوله لكن أمامها الآن بدت كل الكلمات غير مناسبة.
آنا أود التحدث معك قليلا قبل أن تبدئي إن أمكن.
بدت عليها الدهشة لكنها أومأت
بالطبع يا سيد.
أشار إلى الأريكة. جلست آنا على طرفها مستقيمة ويداها متشابكتان في حجرها. جلس هو في المقعد المقابل. ساد صمت قصير.
آنا أريد أن أطلب منك العفو.
رمشت متعجبة
عفوا عن ماذا يا سيد
ابتلع ريقه وقال
في ذلك الخميس عندما جئت أول مرة تركت المال فوق الخزانة عمدا. فعلت هذا مع كل من عمل هنا. كنت أجري اختبارا لأرى من هو الأمين ومن ليس كذلك. وأنت
توقف صوته لحظة ثم أكمل
أظهرت لي شيئا كنت قد نسيت أنه موجود.
لم تقل آنا شيئا واكتفت بالنظر إليه بعينيها المتعبتين الطيبتين.
أمضيت سنوات وأنا أؤمن بأن لكل إنسان ثمنا وأنه يكفي أن أجد ذلك الثمن لأرى حقيقته. وكنت مخطئا مخطئا جدا. لأنك أنت لم تريني كصاحب عمل فقط. رأيت في إنسانا قد يحتاج إلى من يحميه من تهاونه. وهذا
تنفس بعمق.
هذا هزني بطريقة لا أعرف كيف أصفها.
خفضت آنا بصرها وقالت بهدوء
يا سيد أنا فقط فعلت الصواب. الأمر ليس عظيما.
بل هو عظيم جدا. مهم للغاية.
مال مارسيلو إلى الأمام
أنا أعرف بعضا عن حياتك لا بشكل متطفل لكنني بحثت.
أعرف عن طفليك وعن والدتك وأعرف أنك تستيقظين في الرابعة والنصف صباحا وتعودين في التاسعة ليلا وأعرف أنك تكافحين كل يوم لتحفظي الكرامة لأسرتك. ومع ذلك ومع 32 ألف ريال
أمامك لم تلمسيها. بل حميتني.
رفعت آنا عينيها وللمرة الأولى رأى فيهما شيئا مختلفا ليس غضبا ولا حقدا بل حزنا.
يا سيد أفهم أنك تريد مساعدتي وأنا أقدر ذلك حقا لكنني لا أحتاج إلى شفقة. أحتاج إلى عمل. أحتاج إلى كرامة. لا أريد أن أكون مشروع إحسان عند أحد.
شعر مارسيلو بانقباض في صدره.
أعلم يا آنا وأنا لا أريد مساعدتك من باب الشفقة.
أريد أحتاج أن أتغير ولا أعرف كيف أفعل ذلك وحدي.
قطبت آنا جبينها
تتغير في ماذا
في نفسي.
مرر يده على وجهه
تحولت إلى شخص قاس يا آنا. كنت أختبر الناس وكأنهم أشياء. أحكم وأدين. وأنت أريتني أن المشكلة لم تكن في العالم بل في أنا.
ساد صمت طويل وثقيل.
تنفست آنا بعمق وسألت
ماذا تريد مني يا سيد
نظر في عينيها وقال
أريد الصدق الذي منحتني إياه في ذلك اليوم دون أن تدري دون حساب فقط صدقا.
سكتت آنا لثوان طويلة ثم أومأت ببطء
حسنا لكنني أتابع عملي كما هو. لن أقبل بشيء لا أناله بعرق جبيني.
متفقون.
ابتسم مارسيلو لأول مرة منذ أيام
متفقون.
وفي تلك الغرفة الباردة بين مليونير مكسور من الداخل ومنظفة شديدة النزاهة ولد شيء نادر الاحترام.
مرت الأسابيع التالية مختلفة.
كانت آنا تأتي الخميس والجمعة تنظف البيت لكن الآن كان مارسيلو حاضرا دائما لا كمراقب بل كإنسان موجود.
صارت بينهما أحاديث
في البداية قصيرة ثم أطول عن أطفالها عن طفولته عن أحلام قديمة عن جراح لا ترى.
حكت آنا عن اليوم الذي اكتشفت فيه حملها بميغيل. كانت في السادسة والعشرين. وعدها حبيبها بالزواج ثم اختفى بعد ثلاثة أشهر. بكت يومين ثم نهضت لأنها لم تكن تملك رفاهية الانهيار.
حكى هو عن أبيه الرجل القاسي رجل الأعمال الصارم الذي علمه ألا يثق بأحد والذي مات وحيدا في غرفة مستشفى تحيط به الأجهزة والممرضون دون أي صديق حقيقي إلى جانبه.
حدثته آنا عن حلمها بأن تعود للدراسة أن تنهي المرحلة الثانوية وربما تلتحق بكلية التربية ذات يوم فهي تحب الأطفال وترغب في العمل في التعليم.
أصغى مارسيلو وقرر أن يفعل شيئا. لم يخبرها لم يرد أن تشعر بأنها مدينة له بل تصرف بصمت.
اتصل بصديق له مدير في مدرسة خاصة وطلب منحه طفلين منحة دراسية كاملة لميغيل ولوانا. شرح له وضع الأسرة. تردد الصديق لكن مارسيلو أصر هذا ليس معروفا هذا استثمار في طفلين يستحقان الفرصة.
وافق الصديق.
ثم بحث عن عيادة صحية خاصة واتفق على خطة تأمين صحي للأسرة لآنا وللطفلين وللسيدة سليا.
دفع التكلفة السنوية مقدما دون تعقيدات.
ثم الجزء الأصعب
راجع محاميا مختصا في قضايا العمل وشرح الوضع وطلب إعداد عقد عمل لائق بوظيفة رسمية وراتب عادل وإجازات وحقوق كاملة. لكن لم يتوقف عند هذا أنشأ صندوق استثمار باسم آنا وضع فيه مئة ألف ريال كبداية تدر أرباحا شهرية تكبر بمرور الوقت وتكون بملكيتها وحدها لضمان ألا تضطر بعد اليوم للاختيار بين دواء أو إيجار.
أعد كل شيء بصمت دون استعراض أو طلب شكر.
بعد ثلاثة أشهر دعا آنا إلى المكتب.
دخلت متوترة ظنت أنها ستفصل أو أنها ارتكبت خطأ ما.
كان يجلس إلى
الطاولة وبجانبه المحامي.
آنا اجلسي من فضلك.
جلست ويداها ترتجفان قليلا.
لم ترتكبي أي خطأ على العكس. أريد فقط أن أعطيك شيئا تستحقينه منذ زمن طويل.
دفع بالأوراق نحوها. نظرت عقد عمل وظيفة رسمية راتب شهري 3500 ريال تأمين صحي بدل طعام إجازات مدفوعة.
اتسعت عيناها
يا سيد أنا
انتظري هناك المزيد.
دفع ورقة أخرى
منحتان دراسيتان كاملتان لميغيل ولوانا في مدرسة خاصة شامل الكتب والقرطاسية والزي.
وضعت آنا يدها على فمها والدموع تملأ عينيها
لا أستطيع قبول هذا لا أستطيع.
تستطيعين وستقبلين لأن هذا ليس إحسانا بل كرامة.
إنه ما تستحقينه دائما ولم تحصلي عليه.
ثم دفع آخر ورقة
صندوق استثمار باسمها بقيمة مئة ألف ريال بدخل شهري ثابت.
انهارت آنا بالبكاء وغطت وجهها بيديها وكتفاها ترتجفان. انتظر مارسيلو بصبر واحترام.
وحين استطاعت الكلام خرج صوتها مكسورا
لماذا لماذا كل هذا
لأنك أريتني ما أصبحت عليه ولم أعجب بما رأيت. فقررت أن أتغير ليس من أجلك أنت فقط بل من أجل نفسي أيضا. أمضيت سنوات أختبر أمانة الناس وأنت علمتني أن الأمانة ليست شيئا نختبره بل شيئا نعيشه كل يوم في قرارات صغيرة لا يراها أحد.
مسحت آنا دموعها
لا أعرف ماذا أقول.
لا حاجة لأن تقولي شيئا. فقط استمري في كونك كما أنت فالعالم بحاجة إلى مزيد من أمثالك.
هزت رأسها ببطء لا تزال تحت الصدمة.
ابتسم مارسيلو ولأول مرة منذ سنوات كان ابتسامة صادقة.
بعد ستة أشهر تغيرت حياة آنا بالكامل تقريبا
ميغيل ولوانا في مدرسة خاصة بزي مرتب وكتب جديدة.
اتصلت معلمة ميغيل لتخبرها بأنه متميز في الرياضيات وقالت معلمة لوانا إن لديها موهبة في الرسم.
التحقت آنا بدورة تعليم مسائي لإكمال الثانوية وكانت من المتفوقين وتحلم الآن بدخول كلية التربية.
كانت السيدة سليا تتلقى علاجا طبيعيا لالتهاب المفاصل يغطيه التأمين الصحي. وكانت تقول إنها تشعر وكأن عمرها أقل بعشرين عاما.
أما آنا فكانت تعمل في بيت مارسيلو ثلاثة أيام في الأسبوع ليس فقط لتنظيفه بل لترتيبه وتنظيم الوجبات واختيار الزهور وتحويل ذلك المكان البارد إلى بيت حي.
ومارسيلو تغير أيضا
توقف عن اختبار الناس وكف عن الأحكام القاسية وبدأ يتطوع في مشاريع اجتماعية ويمول منحا دراسية للشباب ويطلق برنامج قروض صغيرة للأمهات العازبات ويستثمر في التعليم والكرامة والتغيير الحقيقي.
وكلما فعل ذلك شعر بخفة لم يعرفها من قبل كانت الجدران حول قلبه تتهاوى ببطء حجرا بعد حجر.
بعد عام وثلاثة أشهر لم يعد القصر كما كان
صارت ضحكات الأطفال تملأ أرجاءه وأصبحت الحديقة تضم أرجوحة وبيتا صغيرا للعب وكرة منسية قرب المسبح.
صارت غرفة الجلوس تحوي وسائد ملونة ورسومات أطفال معلقة على الثلاجة بمغناطيس ورائحة كعك منزلي لا تفارق المكان.
وتغير مارسيلو هو الآخر
استبدل بدلة العمل في عطلة نهاية الأسبوع بقميص بسيط وتخلى عن مظهره المتكلف وصارت ابتسامته حقيقية لا دفاعية.
كان قد وقع في حب آنا وفي حب طفليها وفي حب الحياة الجديدة التي لم يتخيلها يوما.
البداية كانت بطيئة مرت أشهر وهو يكتفي بالحضور دون ضغط. كان يوصلها بالسيارة في الأيام الماطرة ويأخذ الأطفال إلى المدرسة إذا بدت متعبة ويأتي بطعام جاهز في عطلة نهاية الأسبوع ليمنحها وقتا للراحة ويجلس مع ميغيل ولوانا يشاهدان الرسوم.
بدأ ميغيل يناديه العم مارسيلو ويسأله ببراءة
عمي هل تحب أمي
وكان يجيب بصدق
أحبها جدا أمك أعظم امرأة عرفتها.
كانت لوانا أكثر خجلا لكن في أحد الأيام جلست وقدمت له زهرة من الحديقة وقالت بهمس
هذه لك لأنك تجعل أمي تبتسم.
احتاجت آنا خمسة أشهر لتسمح لقلبها بالاستسلام لا لأنها لم تشعر بشيء بل لأنها خـ,ـافت خـ,ـافت أن تجـ,ـرح مرة أخرى أن تعرض أبناءها للأذى أن يكون ما تشعر به مجرد امتنان لا حب.
ولكن مع مرور الوقت أدركت أن ما بينهما كان أكبر من الشكر.
رأته كيف يتعامل مع أطفالها وكيف يصغي وكيف يحترم. رأته يلتفت للتفاصيل الصغيرة ويحمل عنهم أثقالا كثيرة بصمت.
وعندما أنهت آنا المرحلة الثانوية بنجاح أقام لها مارسيلو عشاء بسيطا في البيت