وبعدها سمعت صوت خبطة حد وقع.
صمت.
الهواء تجمد.
العالم توقف.
ثم قالت الجملة التي لم يكن زين مستعدا لها
وبعدها بدقايق تاريك دخل عليا
وبساعتين يوسف ما.ت.
نظر إليها زين طويلا.
طويلا.
حتى شعرت أن عينيه تخترقان روحها نفسها.
ثم قال بصوت مرعب بقدر ما هو منخفض
إنتي كنتي شاهدة على جريمة
ومش مجرد جريمة.
تجمدت.
تقصد إيه
قرب وجهه منها حتى شعرت بحرارة أنفاسه.
جريمة …
شهقت.
والمصيبة
قالها وهو يبتعد خطوة للخلف يمرر يده على شعره بعصبية لم يظهرها منذ حضوره.
إن وجودك في الليلة دي مش مجرد صدفة.
رفعت عينيها ببطء خائفة من الجملة التالية.
ابتسم زين ابتسامة مرة مظل.مة محملة بمعنى لا يرحم
ثم قال
أبوي ما جابكيش القصر علشان الزواج.
اتسعت عيناها.
تراجعت خطوة.
ثم ثانية.
ثم التصقت بالحائط وهي تهز رأسها
لأ لأ أنا معرفش أنا أنا ضحية!
صرخ زين فجأة يفقد أول خيط من سيطرته
مفيش ضحية بتكون موجودة في نص جريمة!
ومفيش ضحية بتكذب ليلة كاملة!
ومفيش ضحية بتد.فن شهادة بالخطورة دي!
انهارت على الأرض تبكي ويدها على فمها.
أنا كنت خايفة
كان هي..ني زي ما .. يوسف
أنا أنا
ثم صرخت فجأة
أنا سمعت صوت أبوك وهو بيقول
محدش هيسمع صوتك تاني يا يوسف.
ساد صمت قاتل.
ثم
حمل زين الملف أغلقه ووقف ينظر إليها من عل بنظرة لا تشبه الغضب ولا الشفقة
بل شيء أخطر
إيميلي
أبويا .. يوسف.
رفع وجهها بيده رغم رغبتها في الهروب
ثم قال الجملة التي غيرت اتجاه القصة كلها
وإنتي الشاهدة الوحيدة.
ترتعش أنفاسها.
تسقط دموعها.
تنهار الكلما.ت في فمها.
لكنه أكمل
وده معناه
إنك مش ضحيتي
اقترب حتى كاد يلمسها.
إنتي مفتاحي.
لم تستطع إيميلي رفع رأسها. كانت الكلما.ت الأخيرة التي قالها زين تدور حولها مثل دوامة عاصفة كأنها انزلقت من قمة جبل وعلقت بين الصخور لا تعرف أين ستقع ولا كيف ستنجو.
لم يتحرك زين. بقي واقفا أمامها كتفه مشدود أنفاسه متوترة وصوته الداخلي يصرخ أكثر مما يظهر.
كان ينظر إليها وكأنها ليست امرأة أمامه بل جسر يوصله إلى حقيقة ظل يطاردها سبع سنوات.
همست إيميلي بصوت مكسور دون أن ترفع عينيها
أنا مش مفتاح حد أنا كنت عايزة أهرب وخفت وخفت أكتر لما شفت يوسف وقع
توقفت.
شهقت.
ثم وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول منع قلبها من الانفجار.
نظر زين نحوها بحدة لكنه فجأة شعر بشيء غريب.
ذلك الخوف الحقيقي في صوتها ذلك الارتجاف الذي لم يختف تلك الدموع التي لم تكن تمثيلا
شيء ما بدا غير منطقي في الصورة التي رسمها عنها طوال السنين.
جلس زين على الكرسي المقابل لكنه ظل يراقبها بعينين تحترقان بأسئلة لا تنتهي.
إيميلي
قال أخيرا بثبات أقل من قبل كأنه يخوض حربا داخل صدره.
فيه حاجة ناقصة.
فيه تفصيلة واحدة بتغير كل شيء.
يوسف مكانش مجرد خادم.
رفعت إيميلي رأسها ببطء.
الدموع ما زالت على خديها لكن الخوف امتزج بدهشة.
كان مين
تنفس زين بعمق ثم قال بصوت منخفض
يوسف كان أقرب شخص لأبوي.
ساعده في حاجات كتير وكان يعرف أسراره.
سكت للحظة ثم أكمل بصوت أعمق
وكان الوحيد اللي أبوي كان بيخاف منه.
هزت إيميلي رأسها في صمت لا تصدق.
بس هو
كان شاب صغير ليه الشيخ طارق يخاف منه
ارتسمت على وجه زين ابتسامة سوداء مرة مليئة بالمفارقات.
لأن يوسف
اقترب منها Leaning forward.
كان معاه ورق.
ورق
ترددت الكلمة في فمها.
أوراق مستندات أسرار
لو اتنشرت كانت هتهد إمبراطورية أبوي للأبد.
شهقت.
زين أكمل كأن شيئا انفجر داخله بعد سنوات من الكتمان
يوسف كان شاهد على فساد مالي صفقات سلاح تحويلات غير قانونية علاقات مع رجال سياسة.
هو الوحيد اللي كان شايف كل حاجة.
حدقت إيميلي فيه بعينين متسعتين.
وكان عايز يبلغ عن كل ده.
وأبوي لما عرف هدده.
وده اللي سمعتيه.
غطت إيميلي فمها بيدها تتخيل صوت الخلاف صوت الطرق ثم السقوط.
زين وقف فجأة من شدة الانفعال.
إنتي فاهمة يعني إيه
لو يوسف فتح بقه
كانت كل حاجة هتنهار.
اقترب خطوة وصوته ينخفض حتى يصبح أقرب إلى الهمس الغاضب
وأبوي ما كانش هيقبل ده.
حاولت إيميلي النطق لكن الكلما.ت خرجت متقطعة
وده ده يثبت إنه .. يوسف مش أنا مش
ثم صمتت.
بدت وكأنها خائفة من تكملة الجملة.
زين حدق في وجهها طويلا ثم قال ببطء شديد كأنه يختبر رد فعلها
أيوه.
بس فيه مشكلة واحدة.
رفعت نظرها إليه وصوتها بالكاد يسمع
إيه هي
اقترب منها حتى شعرت بحرارة أنفاسه على خدها.
أبوي ما خرجش من جناحه طول الليل.
سقطت الكلمة عليها مثل حجر.
وقفت ببطء تحاول تمالك نفسها.
إزاي
أنا سمعت صوته سمعتهم
اتنين!
أنا متأكدة!
هز زين رأسه ببطء شديد.
اللي شوفته إنتي
واللي سمعتيه
واللي حصل
مش كله زي ما انتي فاكرة.
ابتعد خطوة واحدة وكأنه يعطيها مساحة لتلتقط أنفاسها.
فيه حد تالت كان في الجناح.
كبرت عيناها.
اختفى لون وجهها.
تراجعت للخلف كأن يدا خفية دفعتها بقوة.
حد تالت
قالها زين بهدوء
هدوء قاتل
حد أنا عمري ما فكرت إنه ممكن يكون متورط.
حد محدش يشك فيه
ولا حتى أبوي.
سكت قليلا.
ثم قال
أختي.
ركعت إيميلي على الأرض كأن ساقيها لم تعودا تحملا وزنها.
زين اقترب لكنه لم يلمسها.
سارة كانت هناك.
شهقت.
غطت وجهها بكفيها.
سارة بنت الشيخ كانت في الخلاف
مش بس كانت في الخلاف.
اقترب أكثر وصوته بدأ يتغير شيئا فشيئا يتكس.ر يفقد صلابته.
هي اللي وقفت يوسف.
هي اللي ضر.بته
مش أبوي.
أبوي اتدخل متأخر.
وضعت إيميلي يدها على صدرها.
قلبها كاد يخرج من مكانه.
إزاي عرفت
زين تنفس ببطء وكأنه اعتراف يخنقه
يوسف قبل ما يمو.ت
ساب ورقة صغيرة تحت باب أوضة أبوي.
أخرج زين ورقة مطوية قديمة من جيبه.
فتحها ببطء.
ثم أعطاها لها.
كانت يداه ترتجفان لأول مرة.
على الورقة كلمة واحدة فقط
سارة.
إيميلي لم تستطع القراءة.
الدموع أغرقت عينيها.
وتساقطت الورقة من يدها.
زين قال بصوت مكسور لا يشبه صوته الأول
كل السنين دي وأنا فاكر إن أبوي الوحش.
ويمكن
كان فعلا وحش
بس اللي حصل ليلة مو.ت يوسف
ما كانش بإيده.
ارتفعت نظراتهما وعيونهما التصقت للحظة كأن الحقيقة ألقت عليهما بظلها القاتم.
ثم قال زين بصوت منخفض كأنه يطلق حكما لا رجعة فيه
أختي ..ت يوسف.
إيميلي همست بخوف
وده معناه إيه
اقترب زين خطوة خطوة.
توقفت أنفاسها.