أبلغ مدير متجر الشرطة عن فتاة صغيرة بلا مأوى لأنها سـ,ـرقت صندوق حليب لشقيقيها الأصغر سنا اللذين كانا يبكيان بصوت خافت من شدة الجوع وفجأة تقدم مليونير كان يشهد المشهد
كان هواء الليل باردا وحادا بينما كانت إيميلي كارتر ذات الأعوام العشرة فقط تحتضن صندوقا صغيرا من الحليب إلى صدرها. كانت يداها ترتجفان لا من الذنـ,ـب بل من الخـ,ـوف. وفي الزقاق المظـ,ـلم خلفها كان صراخ شقيقيها الصغيرين يتردد ضعيفا لم يذوقا طعاما منذ يومين كاملين. أما المدينة بأضوائها اللامعة وضجيجها فلم تلق بالا لثلاثة أطفال جائعين يتكورون على بعضهم تحت ظلال ناطحات السحاب.
داخل المتجر اخترق صوت المدير الأجواء صارخا
هيه! توقفي حالا! واندفع نحوها غاضـ,ـبا. تجمدت إيميلي في مكانها كحـ,ـيوان صغير عالق في زاوية ضيقة. همست بصوت باك
أأنا آسفة يا سيدي أخي وأختي جائعان جدا سأعيده أعدك
لكن اعتذارها جاء متأخرا جدافقد كان قد اتصل بالشرطة بالفعل.
تجمع بعض الزبائن يشاهدون الموقف. بعضهم يتهامس مستنكرا وبعضهم يصور بهواتفه كأنما أمامهم مشهد للترند لا مأساة لطفلة.
غير أن رجلا واحدا يقف قرب صندوق المحاسبة لم يتحرك مطلقا.
كان اسمه ريتشارد هايز رجل أعمال في الخامسة والأربعين مليارديرا صاحب شركة تقنية فاخرة مشهورا بثرائه وبانطوائيته ذاتها.
وما
إن دخل الشرطي إلى المتجر واقترب من إيميلي حتى تقدم ريتشارد خطوة وقال بصوت ثابت
انتظروا لا تتعجلوا في معاقبة طفلة.
قال المدير بحدة
سيدي لقد سـ,ـرقت من متجري!
فنظر إليه ريتشارد نظرة هادئة مليئة بالثقة وقال
وأنت يمكنك تحمل خسارة صندوق حليب واحد لكن هي لا تستطيع تحمل خسارة كرامتها.
تردد الشرطي فيما كانت شفة إيميلي ترتجف وعيناها الواسعتان تلمعان خو.فا. انحنى ريتشارد إليها وسألها برفق
أين والداك يا صغيرتي
هزت رأسها ببطء ودموعها تنساب بصمت
هما رحلا. لم يبق غيرنا الآن.
في تلك اللحظة انقـ,ـبض قلب الرجل الثري. لم ير أمامه لصة بل طفلة لفظها العالم قسرا. ساد صمت ثقيل داخل المتجر بينما أخرج ريتشارد محفظته وقال للمدير
سأدفع ثمن الحليب وثمن أي شيء تحتاجه هي وشقيقاها.
ثم التفت إلى الشرطي وقال بصرامة
لا توجد جـ,ـريمة هنا الليلة الموجود فقط نداء استـ,ـغاثة.
تراجع الشرطي قليلا وقال أخيرا
طالما تم دفع ثمن البضاعة فلن نسجل شيئا.
وقفت إيميلي تنظر إلى ريتشارد بعينين غارقتين بالدهشة والامتنان. لم تفهم لماذا يهتم رجل كهذا بأطفال لا يملكون حتى سريرا ينامون عليه.
سألها ريتشارد بلطف
أين شقيقاك الآن
فأشارت بخجل إلى الخارج
هناك في الزقاق ينتظرانني.
خرج معها ريتشارد حاملا كيسا مليئا بالخبز والحليب وبعض الطعام الدافئ. توقف عند مدخل الزقاق ورأى طفلين صغيرين متكورين على بعضهما يحاولان الاحتماء من البرد.
ما إن رأيا إيميلي حتى أضاءت وجوههما بوميض أمل. رفعت الصندوق وقالت بصوت مرتجف
أحضرت الحليب
في تلك اللحظة أدرك ريتشارد أن حياته لن تعود كما كانت وأن هذه الليلة ستكون بداية شيء أكبر بكثير مما توقعه.
بعد تلك الليلة ظل ريتشارد غير قادر على نسيان النظرة المذعورة التي ارتسمت في عيني إيميلي. كانت تلك النظرة تطارد هدوءه وتفتح داخله بابا لم يشعر منذ زمن طويل أنه ما زال موجودا. ومن الضابط الذي شهد الحـ,ـادثة عرف أن الأطفال الثلاثة يعيشون تحت جسر متهالك في الجهة الشرقية من المدينة. وفي صباح اليوم التالي ودون أن يخبر أحدا قاد سيارته نحو ذلك المكان.
كان الفجر في بدايته حين وصل إلى الجسر.
والهواء محمل برطوبة البرد يمر بين الأعمدة الإسمنتية كصفير حزين. لمحهم من بعيد ثلاثة أجساد صغيرة متكومة تحت بطانية بالية تحاول عبثا أن تحميهم من قسوة الليل. نهضت إيميلي فور أن رأته وقفت أمامه كمن يتهيأ للدفاع عن آخر ما تبقى له من العالم.
رفع يديه ببطء وقال بصوت هادئ لا تخـ,ـافي لم آت لأؤذيكم. ثم مد لها كيسا صغيرا مليئا بالطعام. ترددت لوهلة لكن الحاجة أقوى من الخـ,ـوف. أخذت الكيس وما إن فتحته حتى انقض توماس وغريس على الطعام يأكلان بصمت يشق القلب. كان