ريتشارد يراقبهم بينما تتغير داخله أشياء كثيرة لم يكن يتوقعها.
طالما كانت حياته غارقة في الأرباح والاجتماعات والصفقات والقصور التي لا يزورها أحد. لكنه في تلك اللحظة أدرك كم كان كل ذلك فارغا أمام ابتسامة بسيطة يرسمها طفل شبع بعد جوع. قال بصوت خافت هل ترغبون في المجيء معي فقط لنتناول فطورا لائقا لا خداع.
ضاقت عينا إيميلي بالريبة لكنها شعرت بشيء مختلف في نبرة الرجل دفئا لا يشبه ما عرفته من العالم. هزت رأسها ببطء. وبعد دقائق قليلة كانوا يجلسون جميعا في مطعم صغير يتصاعد منه بخار القهوة ورائحة الخبز الطازج.
أكل الأطفال الفطائر والبيض بدهشة طفل يكتشف العالم لأول مرة. أما إيميلي فكانت تراقب الباب كل بضع ثوان كأنها تخاف أن يسلبهم أحد هذه اللحظة الجميلة.
على مدى الأيام التالية تكفل ريتشارد بإيجاد مأوى مؤقت لهم عبر جمعية خيرية يمولها منذ سنوات دون أن يعطيها اهتماما حقيقيا من قبل. لكن الأمر لم يقف عند ذلك. فقد بدأت إيميلي تتقرب منه شيئا فشيئا ثم حكت له قصتها. حدثته عن الحـ,ـادث الذي أودى بحياة والديها قبل عامين وكيف تنقلوا بين الملاجئ والشوارع بعد أن ضاقت بهم الدنيا.
كان يستمع إليها بصمت يشعر بثقل لا يعرف ما مصدره وكأن العالم كله قد وضع أمامه مرآة يطالعه فيها الطفل الذي كانه يوما.
سألته إيميلي
ذات يوم بصوت مرتعش لماذا تساعدنا ابتسم ابتسامة خفيفة وقال لأنني كنت تائها يوما ولأن شخصا ما مد لي يدا حينها ولا أنسى ذلك.
تحولت الأيام إلى أسابيع والأسابيع إلى شهور وبات ريتشارد يزور الأطفال باستمرار يتابع دراستهم يملأ أوراق تسجيلهم في المدرسة ويتحدث مع معلميهم ويجلس معهم لساعات يستمع لضحكاتهم التي ملأت بيته لأول مرة منذ سنوات طويلة. كان منزله الضخم الذي كان لا يسمع فيه سوى صدى خطواته يضج الآن بالحياة الدافئة.
بعد عامين كاملين أصبحت قصة إيميلي كارتر وريتشارد هايز حديث البلاد بأكملها. فقد أعلن المليونير الشهير أنه تبنى
الأطفال الثلاثة رسميا وأنهم باتوا جزءا من عائلته. وعندما سأله الصحفيون عن السبب أجاب بكل بساطة لأن الخير يجب ألا يكون خبرا بل عادة.
بدأ الأطفال الثلاثة يتفتحون كأزهار تحت شمس جديدة. صارت إيميلي من المتفوقين شجاعة هادئة القلب مشرقة الروح. أما توماس فقد وجد شغفه في عالم الحاسوب وأمضى ساعات داخل مختبر ريتشارد يكتشف برمجيات وألعابا. بينما غريس الصغيرة الباسمة ملأت أركان المنزل برسوما.تها التي التصقت على باب الثلاجة وفي كل زاوية من زوايا البيت.
لكن أكثر ما أثر في ريتشارد لم يكن تغير حياتهم بل تغيره هو.
فقد باع إحدى سياراته الفاخرة واستثمر ثمنها في تأسيس مؤسسة هايز للأطفال المشردين وهي مؤسسة وطنية تعنى بتوفير الغذاء والتعليم والمسكن للأطفال الذين فقدوا أسرهم. وقال في خطاب الافتتاح صندوق حليب واحد كان كافيا لإنقاذ ثلاثة أطفال تخيلوا ماذا نصنع لو تعلمنا جميعا أن نصغي لصرخة صغيرة في الظلام.
وقفت إيميلي إلى جانبه في الحفل ترتدي فستانا أبيض بسيطا. همست له شكرا لأنك سمعتني في تلك الليلة. ابتسم برفق وقال لا يا إيميلي أنا من يجب أن يشكرك لأنك ذكرتني بما تعنيه الإنسانية.
بعد سنوات تخرجت إيميلي من جامعة هارفارد وكرست حياتها للعمل الاجتماعي تروي قصتها في المؤتمرات والجامعات وتحكي عن تلك الليلة التي سـ,ـرقت فيها علبة حليب لم يكن فيها أي سر.قة بل محاولة صغيرة لإنقاذ من تحب. لم يبك
الجمهور يوما من الشفقة بل من الأمل ومن اليقين بأن رحمة واحدة قد تغير حياة كاملة.
العالم يبحث عن معجزات خـ,ـارقة لكنه ينسى أن بعض المعجزات تبدأ بخطوة بسيطة يد تمد باب يفتح أو إنسان يقرر أن يرى غيره بعين الرحمة لا بعين الحكم. أما ريتشارد فقد أصبح يرى الحياة بطريقة جديدة لم تعد قيمتها في السلطة أو المال بل في القدرة على صنع فرق حقيقي.
كبر الأطفال وعاشوا في بيت مليء بالعطف لا بالبرد وبالحياة لا بالخـ,ـوف. لم يعودوا يخشون الجوع ولا قسـ,ـوة الشوارع بل عرفوا معنى الأسرة ومعنى الأمان ومعنى أن يكون للإنسان غد ينتظره.
وهكذا لم تكن تلك الليلة مجرد بداية حكاية أطفال بلا مأوى بل كانت بداية حكاية رجل وجد نفسه من جديد حين وجدهم.