فقط أقوم بعملي سيد أرمسترونغ.
أغلقت الأبواب وأطلقت زفرة طويلة. عدت إلى غرفة الاجتماعات لأبدأ بالتنظيف أجمع الأكواب وأرتب الكراسي وعقلي ينتقل إلى المهمة التالية. عندها رأيت شيئا على الطاولة قلما أسود غير لامع ثقيلا باهظ الثمن على الأرجح. التقطته واستدرت متجهة إلى الباب لألحق به.
لدهشتي كان كريستيان أرمسترونغ واقفا عند العتبة.
قال معتذرا وهو يتقدم خطوة
آسف نسيت
قلت وأنا أرفع القلم
قلمك.
اقترب ومد يده ليتناوله. وهنا توقف الزمن.
على يده اليمنى في الإصبع الرابع كان هناك خاتم فضي. خاتم بسيط لكن بنقش هندسي محدد. انحبس الهواء في صد*ري.
كنت أعرف هذا الخاتم. أعرف كل خط وكل انحناءة فيه. قضيت عشرين سنة أعبث بتوأمه المعلق حول عنقي.
كأن الوقت تباطأ. قلبي يدق بعن*ف داخل صد*ري. بدون تفكير رفعت يدي إلى عنقي وأخرجت السلسلة من تحت بلوزتي الحريرية. تدلى الخاتم في الهواء بيننا يدور ببطء. كان مطابقا تماما لخاتمه.
تبعته عيناه واستقرتا على الخاتم المعلق في سلسلتي. وفي لحظة فقد وجهه لونه وصار شاحبا. حدق في وجهي بل في الخاتم.
سأل بصوت خافت مضطرب
من أين حصلت على هذا
تمتمت
كان لأبي.
رفع بصره إلي وعلى وجهه مزيج من الصدمة والإنكار والخوف.
قال بصوت منخفض لكنه حاد
من كان والدك
اسمه كولين.
تراجع فعليا خطوة إلى الوراء وكأنه تلقى ضر*بة جسدية.
قال وهو يضع يده على فمه ويغلق عينيه بإحكام
يا إلهي
وعندما فتح عينيه بعد لحظات كانتا ممتلئتين بالدموع.
قال هامسا
شارلوت شارلوت بيرس.
أجبت ما زلت مرتبكة
نعم هذا اسمي. هل تعرفني
قال وصوته يتكسر
لقد حملتك بين ذراعي عندما كان عمرك ثلاث ساعات فقط. أنا عرابك. قطعت وعدا لأبيك منذ ثلاثين عاما ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول أن أوفي به.
شعرت أن الغرفة تميل بي.
قلت متلعثمة
لا أفهم
أجاب بنبرة جادة
كان والدك صديقي الأقرب. أكثر من صديق كان أخي. وقد ظللت أبحث عنك لمدة ستة عشر عاما.
وقفنا في تلك القاعة الفارغة والصمت بيننا ثقيل. أمسكت بحافة الكرسي الجلدي لأحافظ على توازني بينما كان الملياردير كريستيان أرمسترونغ ينظر إلي كما لو أن شبحا عاد للحياة.
قال وهو يستعيد شيئا من هدوئه
يجب أن أشرح لك كل شيء لكن ليس هنا. دعيني آخذك إلى مكان يمكننا أن نتحدث فيه.
قلت تلقائيا أعود إلى روتين العمل
أنا في الدوام الآن لا يمكنني المغادرة.
سأل
متى ينتهي دوامك
في السادسة.
قال بلا تردد
سأنتظرك. هناك مقهى على بعد شارعين إلى الجنوب اسمه روان. أرجوك تعالي.
نظرت إلى عينيه
إلى الاضطراب الواضح فيهما ثم إلى الخاتم في يده المشابه تماما لخاتمي.
قلت أخيرا
حسنا السادسة.
غادر من دون كلمة أخرى. بقيت وحدي في الغرفة أقب*ض على خاتم والدي لدرجة أن المعدن غاص في راحتي.
ما الذي حدث للتو
عند السادسة تماما وصلت إلى روان. كان هناك بالفعل وقد اختار طاولة في الزاوية وطلب كوبين من اللاتيه. جلست أمامه وأعص*ابي مشدودة.
بدأ الكلام مباشرة
الاسم الكامل لوالدك هو كولين جيمس بيرس. ولد في بورتلاند بولاية مين. توفي والداه عندما كان في السادسة عشرة وربته جدته حتى حصل على منحة كاملة للدراسة في MIT.
التقينا في السنة الثالثة في جمعية المعماريين.
تحدث بوقائع أعرفها منذ طفولتي لكن سماعها من شخص غريب كان مربكا.
قلت بصراحة
لا أعرف ماذا أقول تفضل أكمل.
تابع
كان كولين أفضل أصدقائي. أخي. العائلة الوحيدة التي عرفتها.
قلت وأنا أسمح لحدة خفيفة أن تظهر في صوتي
أمي لم تذكر اسمك أبدا. ولا مرة واحدة في حياتي. لم أسمع بك حتى اليوم.
نظر إلى قهوته وانطبعت ملامح الألم على وجهه.
قال
أعلم. عندما توفي والدك حاولت أن أساعد. عرضت المال والدعم وكل ما أستطيع. لكنها لم تقبل. لم ترد صدقة. قالت إنها ستتولى الأمر وحدها. كلما رأتني رأت معه ذكراه وكان ذلك مؤلما لها جدا. وبعد سنوات قليلة تزوجت من جديد وغيرت اسمكما إلى برادفورد وانتقلتم إلى كونيتيكت. توقفت لفترة عن المحاولة لكنني لم أنس أبدا. كنت أحاول أن أتواصل من حين لآخر.
قلت وأنا أشعر بغصة
ولماذا كل هذا يهم الآن والدي ميت.
نظر إلي وقال بهدوء
لأنني قطعت وعدا.
رفع يده اليمنى وأراني الخاتم.
في ديسمبر 1994 كنا في الثانية والعشرين من عمرنا. يتيمين بلا عائلة. قررنا في تلك الليلة ألا نكون وحدنا بعد الآن. أن نكون إخوة. إذا م*ات أحدنا يتولى الآخر رعاية العائلة التي يتركها خلفه. تبادلنا هذين الخاتمين. هذا الذي أرتديه الآن كان خاتمه. أعطاني إياه وأعطيته خاتمي.
نظرت إلى الخاتم الذي أضعه في سلسلتي بعين مختلفة.
قلت
إذا هذا الخاتم كان لك
أجاب هامسا
نعم. كان كولين يرتدي خاتمي. وأنت الآن ترتدينه. وأنا أرتدي خاتمه.
شعرت بكلم*اته تسقط داخلي بثقل.
تمتمت
لماذا لم تخبرني أمي بهذا
قال وهو يتنهد
لا أعرف. ربما أرادت أن تنسى. فمحتني من حياتكما. ولم أستطع أن أتجاوزها لأصل إليك مباشرة شعرت أن ذلك خيانة لرغبتها.
نهضت فجأة وتحرك الكرسي بصوت حاد.
قلت
أنا بحاجة إلى أن أذهب.
قال متوسلا
انتظري
أجبت وأنا أبتعد
لا أعرفك. لا أعرف لماذا لم تذكر أمي اسمك لكن كانت لها أسبابها. وأنا أثق بها أكثر من ثقتي برجل غريب يملك خاتما يشبه خاتمي. شكرا على القهوة.
خرجت إلى الهواء البارد وقلبي يتسارع. تلك الليلة لم أنم.
كنت ممددة في شقتي الصغيرة في أستوريا أحدق في السقف المتشقق والخاتم في قب*ضتي. لماذا لم تخبرني أمي
في النهاية لم أعد أطيق الأسئلة. نهضت وفتحت الصندوق الخشبي الذي أحتفظ فيه ببعض تذكارات والدي. صور رسائل قديمة وفي القاع ظرف مغلق تجاهلته لسنوات. على الغلاف كتب بخط أمي المرتجف إلى شارلوت عندما تكونين جاهزة.
لم أشعر قط أنني جاهزة لكن هذه الليلة مزقته.
في الداخل وجدت رسالة وصورة.
الصورة لرجلين شابين يقفان في حرم MIT بذراعين متشابكتين وابتسامة عريضة. كلاهما يرتدي خاتما فضيا في يده اليمنى. أحدهما أبي بلا شك. والآخر هو كريستيان أرمسترونغ الشاب.
فتحت الرسالة وبدأت أقرأ ويدي ترتعش.
كتبت أمي
ابنتي العزيزة شارلوت أكتب هذه الكلم*ات قبل أن يسلبني المرض آخر ما تبقى لي من قوة
كانت الرسالة اعترافا بأنها أبعدت كريستيان عمدا وأنها رفضت مساعدته لأنها كلما رأته رأت والدك وأن ذلك كان مؤلما لها. كتبت أنها كانت مخطئة وأنها أخرجتنا من حياة الشخص الوحيد الذي أحب والدك بقدر ما أحبته وأنه كان عرابك وأنه حملك يوم ولدت وأنه كان حاضرا في كل مناسبة. وأنها ندمت على إبعاده وأنها ترجونيإذا عاد يوما أو بحث عنيأن أمنحه فرصة من أجل والدي ومن أجلي.
قرأت الرسالة ثلاث مرات. ثم أجهشت بالبكاء.
بكيت لأنني عشت عامين أشعر بالوحدة الكاملة أختنق بالديون وأحارب لأبقى واقفة بينما كان هناك شخص واحد على الأقل يبحث عني كل هذه السنوات. حزن أمي وسوء تصرفها س*رقا تلك الصلة منا.
نظرت مرة أخرى إلى الصورة إلى والدي وكريستيان كتفا إلى كتف.
عندها اتخذت قراري.
في اليوم التالي اتصلت بمكتب كريستيان من مكتبي.
شكرا