للمرة الأولى
لم يكن هناك غيظ
بل قلق
قلق لأنها بدأت تشعر بأن هذه المرأة
قد تغير شيئا كانت تحاول حمايته بكل قوتها
حل الليل على القصر وأطفئت معظم الأنوار لكن القلق لم يطفأ في قلب ريكاردو
كان يقف عند باب غرفة مكتبه ينظر إلى الممر الطويل حيث مرت عشرات الوجوه من قبل مربيات خبيرات معالجات متخصصات
كلهن رحلن
واليوم فقط بدا أن وجود لويسا أحدث خلخلة في المسار الذي انحدر إليه البيت
تساءل في نفسه
هل يمكن لشخص واحد بسيط لم يأت لرعاية الأطفال أصلا أن يغير كل هذا
في تلك الأثناء كانت لويسا في غرفة الغسيل تطوي بعض المناشف عندما سمعت صوت بكاء خافت يكاد لا يسمع لكنه كان واضحا لمن يعرف أصوات القلق
تتبعت الصوت
مرت بالممر ثم وصلت إلى باب غرفة جوليا
كان الضوء في الداخل خافتا والباب مفتوحا قليلا
طرقت بخفة
جوليا أأنت بخير
لم يأت رد
لكن البكاء ظل مستمرا منخفضا منفلتا من داخل صدر صغير لا يعرف كيف يسكت خوفه
دفعت لويسا الباب قليلادون أن تدخلوقالت بصوت هادئ
سأبقى على الباب فقط هل تحتاجين ماء أو نورا أقوى
جاء صوت خافت مقطع
ال ال مستشفى
فهمت لويسا
الكوابيس
تراجعت خطوة للخلف كي لا تشعر جوليا بأنها محاصرة ثم قالت
أنت هنا الآن في غرفتك ليس هناك أصوات أجهزة ولا رائحة مطهرات فقط غرفتك
زاد البكاء قليلا ثم تراجع تدريجيا
علامة على أن الكلمات وجدت طريقها
قالت لويسا
هل أترك الباب مفتوحا أم مغلقا
ردت بصوت مرتجف
م مفتوح قليلا
ابتسمت لويسا بخفة
كما تشائين
ثم تركت الباب في وضع يسمح بدخول خيط رقيق من الضوء خيط يكفي لطمأنة قلب صغير
خرجت لويسا من الممر وعندما وصلت إلى الدرج وجدت ماريانا واقفة في الظلام كتفاها متوتران وعيناها تحدقان إليها
قالت لويسا بنبرة حيادية
هل تحتاجين شيئا
ردت ماريانا بسرعة وكأنها مستعدة لصد أي احتمال
لا فقط لا تتدخلي في شؤوننا
أجابت لويسا بهدوء عميق
أنا لا أتدخل أنا فقط موجودة في نفس المكان
لم تتوقع ماريانا هذا الجواب
بدت وكأنها فقدت توازنها للحظة
قالت بسخرية
ستذهبين الجميع يذهب
قالت لويسا بلا ذرة انفعال
ربما وربما لا
ارتبكت ماريانا ثانية ثم ابتعدت بخطوات سريعة لكنها لم تهرب
كانت مرتبكة أكثر من كونها غاضبة
في صباح اليوم التالي بينما كانت لويسا تكنس الحديقة خرجت إيزابيلا فجأة تمسك لعبتها القماشية
توقفت لويسا فورا كي لا تشعر الصغيرة بأنها مراقبة
اقتربت إيزابيلا خطوة واحدة ثم خطوة أخرى
وقفت أمام لويسا رفعت اللعبة الصغيرة
ثم أخفضتها
ثم رفعتها ثانية
وكأنها تحاول أن تقول شيئا لا تملك الكلمات له
لكن قبل أن تتكلم خرجت التوأم وأمسكتا بيدها وسحبتاها
صرخت بيآتريس
هيا! لا تتحدثي معها! إنها ليست مربية!
وقالت بيانكا
لن نسمح لها بالدخول!
ابتعدت الصغيرة لكن عينيها
ظلتا معلقتين بلويسا
نظرة سؤال لا خوف ولا ثقة فقط سؤال
قالت لويسا لنفسها
هذا البيت مليء بالقلوب التي لا تعرف كيف تقترب من بعضها
بعد الظهر أخبرت ماريانا أخواتها أنها ستنفذ الخطة الجديدة
خطة لم تجرؤ التوأم على السؤال عن تفاصيلها
دخلت الفتيات غرفهن وبدأت الهمسات تملأ الممرات
لكن الفتاة الوحيدة التي لم تتحرك كانت لورا
بقيت واقفة قرب الباب تتأمل الممر بعينين متوترتين
اقتربت منها لويسا قليلا وسألت
هل كل شيء على ما يرام
ردت لورا بصوت منخفض
ماريانا عندما تخطط شيئا لا ينتهي الأمر جيدا
سألت لويسا برفق
هل تخافين من خطتها
هزت الفتاة رأسها سريعا
أنا أخاف عليها
توقفت لويسا في مكانها فقد كانت تلك الجملة كافية لتكشف ما لم يقله أحد طوال الأيام الماضية
ماريانا ليست القائدة الشريرة كما تبدو
إنها طفلة كبيرة تحمي بيتا ينهار
بطريقة قاسية نعم لكنها حماية
قالت لويسا
شكرا لأنك أخبرتني
ثم أضافت
سأحاول أن أتأكد من أن الأمور لن تخرج عن السيطرة
هزت لورا رأسها بخفة ثم اختفت في غرفتها
في تلك اللحظة كانت ماريانا تعد الفخ الأكبر
وقفت في منتصف غرفة اللعب تحمل دفترا صغيرا وعلى وجهها ابتسامة بطيئة
ابتسامة ليست شريرة بل مصممة
قالت للتوأم
إذا نجحت خطتي لن تبقى هذه المرأة يوما آخر في البيت
سألت بيانكا
ما هي الخطة
اقتربت ماريانا ورفعت الدفتر
وفتحته على صفحة واحدة كتبت بعناية
الحقيقة الكاملة عن أبي
اتسعت عيون التوأم
ولأول مرة لم يكن هناك حماس
بل خوف
قالت بيآتريس
ماريانا هذا كثير
لكن ماريانا أغلقت الدفتر بقوة
لويسا يجب أن ترحل قبل أن تغير شيئا لا نريده أن يتغير
وأصدرت قرارها
اليوم ستعرف لويسا سرا يجعلها تهرب مثل كل من سبقها
حل المساء واتخذت الظلال أشكالا أطول داخل ممرات القصر
في ذلك الهدوء المريب كانت ماريانا تتحرك بخطوات محسوبة وفي يدها الدفتر الأسود ذلك الذي دونت فيه شيئا لم يجرؤ أحد على قراءته من قبل
كانت تعرف أن ما ستفعله اليوم ليس مجرد خدعة جديدة ولا فخا لتخويف عاملة جديدة
كان تهديدا مباشرا لآخر شيء يربط البيت ببعضه
الأسرار
كانت لويسا في غرفة المكتب الصغيرة تنظم الأوراق التي تراكمت على الطاولة حين سمعت طرقا خفيفا على الباب
التفتت فرأت لورا تقف هناك مترددة كأنها لا تعرف هل يجب أن تدخل أم تهرب
قالت لويسا بلطف
تفضلي يا لورا لست مشغولة
تقدمت الفتاة بخطوات بطيئة ثم أغلقت الباب خلفها دون صوت
وقفت لحظة ثم قالت
ماريانا ستفعل شيئا سيئا
رفعت لويسا رأسها باهتمام
هل تعرفين ما هو
هزت لورا رأسها نفيا
لا لكنها كانت تبكي الليلة الماضية عندما تبكي تقوم بأشياء لا تفكر فيها كثيرا
توقفت لويسا عند هذه الجملة
ماريانا بكاء
كان ذلك كأن تقول السماء إنها سقطت إلى الأرض
سألتها
هل تحاول حماية أحد
ردت لورا بهمس
تحاول حماية الجميع لكنها تؤذي نفسها في الطريق
ابتسمت لويسا بخفة وقالت
شكرا لأنك أخبرتني هذا يساعدني كثيرا
كانت لورا على وشك المغادرة ثم التفتت فجأة
لويسا إذا حدث شيء اليوم لا تغضبي منها
هزت لويسا رأسها بهدوء
لن أفعل
وغادرت لورا الغرفة
في الطابق العلوي كانت التوأم تراقبان ماريانا وهي تفتح الدفتر مرة بعد مرة تقرأ السطور ثم تغلقه بعنف
قالت بيانكا بخوف
ماريانا لماذا سنريها هذا هذا ليس للغرباء!
لكن ماريانا لم تتراجع
وضعت الدفتر على الطاولة وقالت بصوت منخفض
هي ليست هنا لتنظيف البيت فقط هي تغير الأشياء