لم تكونا تتآمران
كانت كل واحدة تحدق في الأخرى
ولا تعرف ماذا تقول
قالت بيآتريس بعد صمت طويل
هل أخطأنا
هزت بيانكا كتفيها ومحاولة القوة تذوب ببطء
نحن خفنا فقط
سوفيا
كانت تمسك لعبتها القديمة بقوة وتفرك أطرافها بتوتر
كانت عينها على الباب وكأنها تخشى شيئا سيعبره في أي لحظة
إيزابيلا
جلست على الأرض قرب الباب نصف المفتوح
كانت ترسم دوائر صغيرة بإصبعها على الخشب
ثم تمسحها ثم تعيد رسمها
كل الدوائر كانت غير مكتملة
تماما مثل كلماتها
في الأسفل جلست لويسا على أرضية المطبخ قليلا لتلتقط أنفاسها
كانت تراقب القصر وتفكر
ما الذي دخلت إليه
وهل أستطيع إصلاح شيء بدأ يتصدع من الداخل منذ زمن
ثم تذكرت شيئا
كلمات ماريانا
أنت رقم 38
لن تصمدي للغداء
لكن ها هي الآن قبل ساعات من المساء
والبيت الذي كان يقذف كل بالغ خارجه صار بطريقة غريبة يقترب منها بدلا من أن يطردها
وقبل الخامسة بقليل عاد ريكاردو
دخل بصمت ثقيل وجهه شاحب عيناه غارقتان في تفكير لا حدود له
نظرت إليه لويسا وقالت
هل أنت بخير
لم يرفع رأسه
أجاب
لا
ثم أضاف
ولن أكون حتى أقول ما يجب قوله
شعرت لويسا بقشعريرة
كان في صوته شيء لم تسمعه من قبل
شيء يشبه رجلا على وشك الاعتراف بجريمة أو بالوقوع في هاوية
وقبل الموعد بساعتين صعد إلى غرفة زوجته الراحلة
لم تدخلها لويسا من قبل لكن حين فتح الباب عرفت لماذا
كانت الغرفة نظيفة مرتبة بلا غبار وكأن صاحبتها خرجت للتو لتعود بعد لحظة
جلس ريكاردو على طرف السرير
مرر أصابعه على مفرشها الأبيض ثم قال بصوت خافت كأنه يحدث ظلا
اليوم لن أهرب
كفى
ومع اقتراب الساعة التاسعة كان القصر يغلي بصمت لا يحتمل
البنات
لويسا
ريكاردو
كلهم يعرفون أن الليلة لن تمر كأي ليلة أخرى
فالسر الذي وئد مع كلاريس
سيخرج من قبره أخيرا
لكن
ما الذي سيقوله الرجل
وما الحقيقة التي انتظرت سنة كاملة لتنهش البيت كله بمجرد أن تقال
عند تمام التاسعة بدا القصر كأنه يسحب أنفاسه ليحمل ما سيقال
اجتمعت البنات في غرفة الجلوس الكبيرة
جلست ماريانا في المنتصف الدفتر الأسود في حجرها
إلى يمينها لورا وإيزابيلا
إلى يسارها جوليا والتوأم بينما تجلس سوفيا على الأرض تمسك طرف الفستان بين يديها
وقف ريكاردو عند المدخل لحظة يتأمل وجوه بناته كما لو يراهن لأول مرة منذ زمن
وجوه شاحبة متوجسة تحمل مزيجا من الخوف والانتظار والعتاب
أما لويسا
فوقفت جانب الجدار لا تريد الاقتراب كثيرا ولا الابتعاد
عرفت أنها ليست جزءا من هذا لكنها أيضا لم تستطع ترك العائلة تواجه هذا الظلام وحدها
تنفس ريكاردو ببطء وتقدم خطوة
قال بصوت منخفض
أعرف أنكن تنتظرن الحقيقة وقد حان وقتها فعلا
ارتجفت إيزابيلا
شدت لورا على يدها
أضاف
لكن قبل أن أبدأ أريد أن أقول شيئا واحدا
أنا أحبكن أكثر مما يقدر لساني أن يعترف به
لم يرد أحد
رفع عينيه نحو ماري مباشرة
قلت لي اليوم إنني أخفيت شيئا
وكنت محقة
أخفيت
ابتلعت ماري ريقها وكأن الكلمات تجرح
واصل
لكن ما أخفيته لم يكن سهلا
ولم يكن شيئا أخجل منه
كان شيئا خفت أن يقتلكن قبل أن تفهمنه
تبادلت البنات النظرات
ثم قال أخيرا
والدتكن لم تمت فجأة
شعرت لورا وكأن يدا خفية انتزعت الهواء من رئتيها
جوليا تجمدت في مكانها نظرت إلى الباب كأنها تستعد للهرب
التوأم حبستا أنفاسهما
سوفيا غطت أذنيها
وإيزابيلا بدأت تميل نحو ماريانا تبحث عن ملجأ
أما ماري
فكانت الوحيدة التي همست
إذن كنت تكذب
لكن ريكاردو أكمل دون أن يسمح للغضب أن يوقفه
لم تكن وفاتها طبيعية
ولم تكن بسبب المرض فقط
ارتفع رأس لويسا قليلا وكأن الكلمات وضعت حجرا على صدرها
تابع ريكاردو
كلاريس
كانت تحمل هما أكبر من جسدها
اقترب خطوة خطوة حتى جلس على الأريكة المقابلة
في السنة الأخيرة من حياتها بدأت تتحدث عن شيء شيء قالت إنه سيؤذي العائلة
كانت تبكي ليالي كاملة
كانت تتوسل لي أن أحميكن
أن أحفظكن من شيء قالت إنه سيفترس البيت لو لم أمنعه
رفعت ماري رأسها ببطء
شيء
ما معنى شيء
قال ريكاردو بصوت متهدج
لم تكن تتحدث عن مرضها
بل عن أشخاص
سقطت الجملة كالصاعقة
التوأم قربتا نفسيهما من بعض
جوليا أمسكت يديها بقوة
سوفيا أزاحت يدها عن أذنيها فجأة
ماري قالت
أي أشخاص
تنفس ريكاردو بعمق وكأنه يستعد لجرح قديم يفتح من جديد
أشخاص كانوا يلاحقونها
انقطعت أنفاس الفتيات
قالت جوليا
ماذا تقصد
قال بصوت منخفض ثابت لكن مرعوب
قبل وفاتها بشهور أخبرتني أنها تلقت رسائل
تهديدات
طلبات
وأشياء لم أفهمها في البداية
ضاقت عينا ماري
لماذا لم تقل لنا
قال
لأنني لم أرد لكن أن تعشن في خوف
ولأن والدتكن طلبت مني أن لا أخبر أحدا ولا حتى العائلة
تقدمت لويسا خطوة دون وعي منها
كأنها تريد أن تسمع كل كلمة بوضوح
ثم قال ريكاردو
لكن قبل وفاتها بأسبوع تركت رسالة
رسالة
الكلمة وحدها جعلت البنات تنتفض
سألت لورا بصوت مبحوح
أين الرسالة
أجاب
كانت هنا في هذا البيت
وقفت ماري فجأة
التفتت إلى الدرج مكان الدفتر الأسود
ثم عادت تحدق في أبيها بنظرة ممتلئة بالمفاجأة والغضب والذهول
الدفتر
أليس كذلك
ساد صمت لم يعرف البيت مثله منذ سنة كاملة
نظر ريكاردو إلى الدفتر في يد ماري
ثم أغلق عينيه ببطء شديد
وقال
ذلك ليس دفترا عاديا
إنه آخر ما تركته والدتكن
صرخت التوأم في وقت واحد
ماذا!
جوليا وضعت يدها على فمها
إيزابيلا بدأت تبكي دون صوت
سوفيا اختبأت خلف المقعد
أما ماري
فلم تتحرك
كانت كتمثال من الصدمة
قالت بكاد تسمع
أمي كتبت هذا
هز ريكاردو رأسه
ثم قال
وما بداخله